ابو القاسم الكوفي

54

الاستغاثة في بدع الثلاثة

يراسلهم فلا يلتفتون إليه ، حتى إذا استوى لهم الأمر ، فبعث إلى أسامة : ان الناس نظروا في أمورهم فلم يجدوا لهم غنى عني ، وقد نظرت في أمري فلم أجد عن عمر غنى ، فخلفه عندي وامض في الوجه الذي امرك به الرسول بالمضي فيه ، فكتب إليه أسامة : من الذي أذن لك في نفسك بالتخلف عني حتى تطلب مني الاذن لغيرك ، ان كنت طائعا للّه ولرسوله فارجع إلى معسكرك ومركزك الذي اقامك فيه رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) فلم يزالوا يدارونه ويعدونه ويمنونه ، إلى أن أجاب وقبل منهم وتركهم ونفذ في ذلك الوجه ، فلم يقنع أبو بكر بمعصيته للّه ولرسوله بما أمره به من التخلف عن أسامة ، لأن الأمة مجتمعة على أن من عصى الرسول وخالفه فقد عصى اللّه ، وان معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته . ومن عجائب بدعه : أنه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلمه في الاستيلاء عليه لعمر من بعده ، وطالب الناس بالبيعة والرضا به ، كره بذلك من كره ورضي به من رضي ، وقد أجمعوا في روايتهم : ان الغالب من الناس يومئذ الكراهة ، فلما أكثروا عليه في ذلك ، وخوفوه من اللّه قال : أبالله تخوفوني ، إذا لقيته قلت له : استخلفت فيهم خيرا ، فقد تقلد من الإثم ما جعله لعمر بعده ، مثل الذي تقلده منه في حياته ولزمه وزر ما جرى في أيام عمر من تصييره ذلك إليه ، من غير أن ينقص عمر من ذلك شيئا ، إذ ملكه ما لم يكن هو له ، وقوله : أبالله تخوفوني ، فليس يخلو حاله في ذلك من أحد وجهين : إما ان يكون قال هذا لأنه لا يخاف اللّه في حياته لأنه تقي ، نقي ، زكي ، مخلص ، زاهد عن كل زلة وهفوة ، وظلم وزلل ، وقائل هذا ومعتقده عاص عصى اللّه متعمدا ، أو خالفه ذاكرا ، فكفى له به خزيا إذ